الرجل العصري والمجتمع: الهوية في عالم يتحوّل
تغيّرت الأدوار، وعلى الرجل العصري أن يعيد ابتكار نفسه دون أن يفقد جوهره. تأمّل في الرجولة والغاية والمجتمع اليوم.
في عقود قليلة، تغيّر ما يُتوقّع من الرجل أكثر مما تغيّر في قرون سابقة. فقد أفسح دور المعيل الوحيد المجال للشراكة، ويتساءل كثيرون أين يقعون. والحقيقة أن كون المرء رجلًا اليوم يتطلّب إعادة ابتكار النفس، لا التخلّي عن جوهرها.
كيف تغيّرت التوقّعات
لأجيال، كان الرجل يُقاس بمعيار بسيط: إعالة البيت. كان دورًا واضحًا، لكنه مقيِّد أيضًا. واليوم يطلب المجتمع شيئًا آخر:
- من معيل وحيد إلى شريك. الإعالة والرعاية يُقتسمان، لا يُفرضان على طرف واحد.
- من سلطة صامتة إلى حضور فاعل. يُتوقّع الحوار، لا الأمر فقط.
- من قوة ظاهرية إلى توازن حقيقي. ما زالت الصلابة مُقدَّرة، لكن مع وعي الذات.
هذه التغيّرات اتجاهات واسعة — وكل بيت وكل ثقافة يعيشها بطريقته.
الارتباك في الهوية
حين تتغيّر القواعد بسرعة، من الطبيعي أن ينشأ شعور بالتيه. يشعر كثير من الرجال أن النموذج القديم لم يعد يصلح، لكنهم لم يتلقّوا نموذجًا جديدًا بديلًا. والنتيجة غالبًا بحث عن مرجعيات — ليست دائمًا في أصحّ المصادر.
الاعتراف بهذا الارتباك خطوة نضج بحد ذاته. لا أحد يحتاج إلى امتلاك كل الإجابات ليبدأ في طرح أسئلة أفضل.
الجمع بين التقليد والتطوّر
المخرج ليس محو الماضي ولا تكراره أعمى. بل اختيار ما يستحق الإبقاء وما يستحق الإضافة:
- الإبقاء من التقليد: المسؤولية والخُلق والكلمة التي تُنفّذ وغريزة حماية من تحب.
- الإضافة من التطوّر: الذكاء العاطفي والشراكة الحقيقية والانفتاح على الإصغاء والتعلّم.
- دمج الاثنين: أن تكون حازمًا ولطيفًا، قويًّا وحسّاسًا، دون أن ترى في ذلك تناقضًا.
رفض التطرّفين
يميل النقاش الحالي إلى قطبين قليلَي النفع. من جهة، ذكورية تصرّ على الهيمنة والتحقير. ومن جهة أخرى، خطاب يبدو وكأنه يطالب بمحو كل ما هو ذكوري. ولا أحد منهما يبني شيئًا جيدًا.
طريق الوسط أصعب لأنه يتطلّب التفكير بشكل مستقل — لكنه الوحيد الذي يصون العلاقات وتقدير الذات على المدى الطويل.
الغاية والإسهام
تولد الهوية الناضجة من غاية، لا من استحسان. الرجل الذي يعرف لِمَ تُستخدم قوّته لا يحتاج إلى إثبات شيء لأحد. إنه يُسهم: في الأسرة وفي العمل وفي المجتمع، مع من حوله.
لم يعد السؤال “كيف أسيطر على العالم”، بل صار “كيف أُسهم فيه”. ومن يفهم ذلك يكفّ عن التنافس ويبدأ في البناء.
أن تكون مرجعًا إيجابيًا هو ربما أهم مهمة في هذا الزمن. فأطفال اليوم يتعلّمون الرجولة بمراقبة رجال الحاضر. وإعادة ابتكار النفس دون فقدان الجوهر ليست مجرد مشروع شخصي — إنها هدية للجيل القادم.